القائمة الرئيسية

الصفحات

هل كل ترند يستحق المتابعة؟ | كيف تميز بين المحتوى الهادف والمحتوى التافه

مطلوب ترند

مطلوب ترند

في عصر السرعة الرقمية، والتواصل المفتوح الذي جعل العالم قرية صغيرة جداً، لم تعد الأحداث تمر مرور الكرام، ولم تعد الأفكار تظل حبيسة أصحابها. في لحظة واحدة، قد تنطلق كلمة، أو تُنشر صورة، أو يُروى موقف، ليتحول كل ذلك في غضون ساعات قليلة إلى ما يسميه الجميع وبكل بساطة: «ترند». هو المصطلح الأكثر تداولاً في زماننا، والكلمة السحرية التي يبحث عنها الملايين يومياً، وتتصدر قوائم البحث، وتكون محط اهتمام الصغير والكبير، المتعلم وغير المتعلم. ولكن، وراء هذا الانتشار الواسع، تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة في الهواء: ما هو الترند؟ ولماذا نحن في حاجة ماسة إليه وكأننا نعيش بلا هدف بدونه؟ وهل كل ما يُسمى «ترنداً» هو بالضرورة جدير بأن يأخذ من وقتنا وفكرنا كل هذا القدر؟

مفهوم الترند.. بين البساطة والتعقيد

لنبدأ أولاً بتعريف بسيط وواضح لهذا المفهوم الذي أصبح يسيطر على حياتنا. الترند في أصله اللغوي يعني «الاتجاه» أو «النزعة»، وفي عالمنا الحديث أصبح يعني ببساطة شديدة: كل ما هو رائج، ومطلوب، ومتداول، ومحط اهتمام الغالبية العظمى من الناس في فترة زمنية محددة. قد يكون الترند فكرة، أو قضية مجتمعية، أو أغنية، أو رقصة، أو تحدياً معيناً، أو حتى طريقة في الكلام أو الملابس. هو ذلك التيار الذي يجرف معه الجميع، ويشعرك أنك إن لم تكن جزءاً منه، فكأنك خارج دائرة الحياة، أو على الأقل خارج دائرة الاهتمامات المشتركة.

ما يجعل الترند ظاهرة مثيرة للاهتمام هو سرعة انتشاره المذهلة. قبل عشرين عاماً مضت، كان الخبر يأخذ أياماً وربما أسابيع حتى ينتشر ويصل إلى الناس، أما اليوم، وبفضل منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت، فإن الفكرة تتولد وتنمو وتنتشر كالنار في الهشيم في دقائق معدودة فقط. هذه السرعة خلقت لدينا حالة جديدة من الوعي، وربما من اللاوعي أيضاً، حيث أصبحنا نعيش تحت ضغط مستمر لمواكبة كل ما هو جديد، ومعرفة كل ما هو رائج، والمشاركة فيه قبل أن ينتهي ويصبح «قديماً» أو «من الماضي».

لماذا نطارد الترند؟.. دوافع نفسية واجتماعية

السؤال الأعمق والأكثر أهمية هنا هو: لماذا كل هذا الاهتمام؟ ولماذا نجعل من «الترند» هدفاً نسعى وراءه جميعاً؟ الإجابة تكمن في طبيعة الإنسان النفسية والاجتماعية، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يميل دائماً إلى أن يكون جزءاً من الجماعة، ويخشى بشدة من الشعور بالعزلة أو الاختلاف أو التخلف عما يدور حوله. هذا الميل الفطري جعل متابعة الترندات وسيلة مضمونة ليشعر الإنسان بالانتماء، وأن لديه ما يتحدث به مع الآخرين، وما يشاركهم إياه، وما يربطه بهم.

هناك أيضاً عامل الفضول، وهو محرك قوي جداً في حياتنا، فدائماً ما يدفعنا الفضول لمعرفة سبب ضجة الناس بأمر ما، وماذا يوجد فيه حتى أصبح الجميع يتحدث عنه؟ وهناك جانب آخر يتعلق ببعض المنتجين وصناع المحتوى، حيث أصبح «الترند» بالنسبة لهم هو البوصلة التي توجههم، والطريق المختصر للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين والجمهور. فالمحتوى الذي ينسجم مع الترند الحالي يضمن لصاحبه الظهور والانتشار، بينما المحتوى الذي يخرج عن هذا السياق قد لا يجد الاهتمام الكافي بغض النظر عن مدى جودته أو أهميته.

«نحن نطارد الترند أحياناً ليس لأننا نؤمن به، بل لأننا نخشى أن يفوتنا القطار، ولو كان القطار يسير في طريق لا نريده.»

ورغم أن الدوافع قد تكون سليمة في كثير من الأحيان، إلا أن هذه الحالة خلقت ما يمكن أن نسميه «عبودية المتابعة»، حيث أصبح الكثيرون يتابعون كل ما هو رائج بشكل آلي ودون أي تفكير أو تمحيص، فقط لمجرد أنه «ترند»، ولأن الكل يفعله. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، عندما نتحول من كوننا أشخاصاً لهم آراؤهم واختياراتهم، إلى مجرد نسخ مكررة تنسخ ما يُعرض عليها دون أن تسأل: لماذا؟ وهل هذا يناسبني؟ وهل هذا مفيد لي ولمن حولي؟

الترند.. بين ما هو نافع وما هو ضار

والحقيقة التي يجب أن نعترف بها جميعاً هي أن الترندات ليست على مستوى واحد من الأهمية أو القيمة، بل هي تنقسم إلى أنواع وفئات متباينة جداً، ولها تأثيرات مختلفة تماماً على حياتنا ومجتمعاتنا. فهناك «ترندات إيجابية» هي حقاً ما نحتاجه ونطلبه، وهي التي تستحق كل هذا الاهتمام وأكثر. هذه النوعية من الترندات تكون عادة نابعة من قيم نبيلة، أو قضايا إنسانية هامة، أو معارف مفيدة، أو دعوات للخير والتكافل الاجتماعي. عندما يصبح التبرع للفقراء ترنداً، أو الحفاظ على البيئة ترنداً، أو احترام الكبار ترنداً، أو نشر العلم والمعرفة ترنداً، فهنا فقط يكون للترند معناه الحقيقي وقيمته العظيمة. في هذه الحالات، يصبح الترند أداة قوية لتغيير الواقع نحو الأفضل، ووسيلة فعالة لنشر الخير في أرجاء الأرض.

وعلى الجانب الآخر، وللأسف الشديد، هناك نوع آخر منتشر جداً وهو «الترندات السلبية أو الفارغة»، وهي للأسف ما يتصدر المشهد في كثير من الأحيان. هذه الترندات لا تحمل أي معنى، ولا تقدم أي فائدة، بل هي مجرد ضجة صاخبة لا طائل من ورائها، وغالباً ما تكون مضيعة للوقت والجهد، وتشتيتاً للعقول عن كل ما هو مفيد ونافع. بل وقد تتجاوز الأمر إلى ما هو أخطر، حيث توجد ترندات تروج للعنف، أو للتفاهة، أو لأفكار دخيلة على مجتمعاتنا وقيمنا، أو تروج لسلوكيات خاطئة وضارة بصحة الإنسان أو مجتمعه. وللأسف، فإن سرعة الانتشار تجعل هذه الأفكار تتغلغل في عقول الشباب والأطفال بسرعة مذهلة يصعب معها السيطرة أو التصدي.

والأدهى من ذلك أننا نجد أحياناً ترندات تُصنع عمداً لغايات تجارية أو إعلامية بحتة، هدفها فقط الربح المادي أو لفت الانتباه، ولا علاقة لها بالفائدة أو الحقيقة من قريب أو بعيد. هنا يظهر الفرق الكبير بين ما هو «رائج» وبين ما هو «صحيح» أو «مفيد»، ويصبح واجباً علينا أن نفرق بينهما جيداً، ولا نسمح لضوضاء الحشود أن تطغى على صوت العقل والحكمة.

مطلوب ترند.. ولكن بأي معيار؟

إذاً، وبعد كل ما سبق، يبقى العنوان الذي اخترناه «مطلوب ترند» صحيحاً ومنطقياً جداً، ولكن بشرط واحد وتحول كبير في المفهوم، وهو أننا نريد الترند، ولكننا نريده محكوماً بمعايير واضحة وضوابط صارمة. نعم نريد أن يكون لدينا ما هو رائج ومشترك، ولكن ليكن ما هو رائج من الخير والحق والجمال. المطلوب هو أن نعيد تعريف كلمة «ترند» في عقولنا، بحيث تصبح مرادفاً للقيمة، وليس فقط مرادفاً للانتشار والعدد.

المعيار الأول الذي يجب أن نضعه أمام أعيننا دائماً هو: «ما الفائدة؟». قبل أن ننشر، أو نشارك، أو نتابع، أو نعلق، يجب أن نسأل أنفسنا: ما الذي سأستفيده أنا؟ وما الذي سيفيده غيري من هذا الأمر؟ هل سيزيد هذا من علمي؟ هل سيرتقي بأخلاقي؟ هل سيحل مشكلة؟ هل سيدعم قضية عادلة؟ فإن كانت الإجابة نعم، فهذا هو الترند الحقيقي الذي ننشده ونطلبه، وهو الذي يجب أن نسعى لنشره والدعوة إليه بكل طاقتنا. أما إن لم يكن هناك فائدة حقيقية، أو كان الأمر يضر أو يسيء، فهنا يجب أن نتوقف فوراً، ونرفض أن نكون جزءاً من هذه الضجة العقيمة، مهما كان حجمها ومهما كان عدد المشاركين فيها.

المعيار الثاني هو «الثبات والاستمرار». فالترند الحقيقي والقوي هو ذلك الذي يبقى ويدوم، ويتحول مع الوقت إلى عادة، أو قيمة، أو تقليد جميل يورثه الأبناء عن الآباء. أما الترندات التي تأتي سريعاً وتذهب سريعاً، وتُنسى بمجرد أن يظهر غيرها، فهي في الحقيقة ليست سوى فقاعات هواء، براقة في شكلها، لكنها سرعان ما تزول وتختفي ولا يبقى لها أثر. يجب أن نطمح دائماً لأن نكون صناع ترندات حقيقية، قائمة على المعاني العظيمة، وليس مجرد متابعين لما يُعرض علينا.

«ليس المهم أن تكون جزءاً من الترند، المهم أن يكون الترند نفسه جزءاً من قيمك ومبادئك.»

صناعة الترند.. كن أنت الاتجاه

في النهاية، وبعد أن استعرضنا كل هذه الجوانب، يتبقى لدينا أجمل ما في الأمر، وهو أن كل واحد منا لديه القدرة والطاقة ليكون هو صانع الترند، وليس مجرد متلقٍ له. نعم، يمكنك أنت عزيزي القارئ، وأنتِ عزيزتي القارئة، أن تخلقوا الاتجاه، وأن تجعلوا من قيمكم ومبادئكم وأفكاركم النيرة «ترنداً» يحتذى به. عندما تتحدث عن الخير، وتكتب عن العلم، وتدعو للأخلاق، وتنشر الأمل والتفاؤل، فأنت هنا تصنع ترنداً حقيقياً ونبيلاً، وكل من يتابعك ويقرأك ويستفيد منك هو جزء من هذا التيار الطيب الذي صنعته بيديك.

مجتمعاتنا العربية والإسلامية مليئة بالكنوز والقيم التي تستحق أن تتحول إلى ترندات عالمية تُدرس وتُحتذى بها. قيمنا في الكرم، والشجاعة، والصدق، والوفاء، والرحمة، واحترام الكبير، والعطف على الصغير.. كل هذه الأمور وغيرها الكثير هي بحق «ترندات» إنسانية خالدة، صمدت أمام مرور الزمن، وستبقى صامدة ما بقيت الحياة. مهمتنا اليوم هي أن نعيد لهذه المعاني بريقها، وأن نجعلها هي ما يتصدر المشهد، وهي ما يبحث عنه الناس ويطلبونه.

لذا، وفي الختام، نعيد ونكرر العنوان بكل فخر ووعي: **«مطلوب ترند»**. نعم مطلوب، ولكن ليكن الترند الذي نطلبه هو ترند العلم والمعرفة، ترند الأخلاق والفضيلة، ترند الإيجابية والبناء، ترند الحب والسلام، ترند يحفظ لنا هويتنا، ويصون لنا قيمنا، ويرتقي بنا إلى مصاف الأمم الراقية. مطلوب أن نكون نحن الاتجاه الذي يسير فيه الخير، وأن نكون نحن النور الذي يبدد ظلام التفاهة والفراغ. فالعالم بحاجة إلينا، وبحاجة إلى ما نحمله من قيم، وبحاجة لأن نعيد نحن تعريف ما هو «رائج» وما هو «مطلوب» ليكون دائماً في ميزان الحق والخير والجمال ✨




تعليقات