حين تتكلم الروح | خواطر شعرية عن صمت المشاعر
هناك أشياء كثيرة نستطيع أن نقولها للناس، وأشياء أكثر نعجز عن البوح بها. فالكلمات ليست دائمًا قادرة على حمل ما يختبئ في أعماق القلب، والمشاعر الصادقة غالبًا ما تفضل الصمت على الحديث. ولهذا تبقى الروح أحيانًا ممتلئة بحكايات لا يسمعها أحد، وأمنيات لا تعرف الطريق إلى الشفاه، وذكريات لا تجرؤ على مغادرة القلب.
في حياة كل إنسان لحظات يشعر فيها أن العالم كله صامت، بينما تضج داخله آلاف الأصوات. لحظات لا يحتاج فيها إلى من يتحدث إليه، بل إلى من يفهم ذلك الصمت الذي يحيط به. فليس كل الصمت فراغًا، بل قد يكون أكثر اللغات امتلاءً بالمعاني.
وهذه الخواطر ليست قصة شخص واحد، بل هي حكاية كثير من القلوب التي مرت بها الأيام، وعاشت الفرح والحزن والانتظار والحنين، ثم تعلمت أن تخفي بعض مشاعرها خلف ابتسامة هادئة أو نظرة عابرة أو صمت طويل.
لغة لا يتقنها إلا القلب
للروح لغة تختلف عن كل اللغات التي نعرفها. لا تحتاج إلى حروف ولا إلى أصوات، ومع ذلك تستطيع أن تقول الكثير. قد يجلس إنسانان ساعات طويلة دون حديث، لكنهما يفهمان بعضهما أكثر من أشخاص يتبادلون الكلمات طوال اليوم.
فالمشاعر الصادقة لا تبحث دائمًا عن الكلام، لأنها تعرف أن بعض الأحاسيس أكبر من أن تُحكى. ولهذا كثيرًا ما نجد أنفسنا عاجزين عن وصف ما نشعر به، لا لأن الكلمات قليلة، بل لأن القلب مزدحم بما يفوق قدرتها على التعبير.
كم من مرة أردنا أن نشرح سبب حزننا فلم نجد تفسيرًا واضحًا؟ وكم من مرة حاولنا وصف اشتياق معين فبدت الكلمات أصغر من أن تحمل ذلك الشعور؟
إن الروح تعرف أحيانًا ما لا يعرفه العقل، وتشعر بما لا تستطيع اللغة ترجمته.
حين يصبح الصمت ملاذًا
ليس الصمت دائمًا علامة ضعف أو استسلام، بل قد يكون نوعًا من الحكمة. فهناك مواقف لا يغيرها الكلام، وأشخاص لا يفهمون مهما طال الشرح، وذكريات لا تهدأ مهما حاولنا الحديث عنها.
ولهذا يختار القلب أحيانًا أن يصمت، لا لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه تعب من تكرار الكلام نفسه دون جدوى.
وفي ذلك الصمت تتراكم المشاعر بهدوء، مثل أمواج البحر التي تبدو ساكنة على السطح بينما تتحرك في الأعماق باستمرار.
وقد يظن الآخرون أن الصامت لا يشعر بشيء، بينما الحقيقة أنه يشعر بأكثر مما يستطيع تحمله.
أحاديث لا يسمعها أحد
لكل إنسان حوارات طويلة يجريها مع نفسه. أحاديث تبدأ في منتصف الليل، وتستمر حتى ساعات الفجر الأولى. يستعيد فيها وجوهًا غابت، وكلمات قيلت، وأحلامًا لم تكتمل، وطرقًا كان يمكن أن يسلكها لو عاد به الزمن إلى الوراء.
وفي تلك اللحظات يكتشف الإنسان أن أكثر الأصوات تأثيرًا ليست أصوات الآخرين، بل صوته الداخلي الذي لا يتوقف عن التساؤل والتذكر والتأمل.
هناك أشياء كثيرة لا نجرؤ على قولها لأحد، لكنها تظل تتردد في أعماقنا سنوات طويلة. وربما لهذا السبب يبدو بعض الناس هادئين جدًا، بينما تحمل أرواحهم عواصف كاملة لا يراها أحد.
الحنين الذي يسكن التفاصيل
أحيانًا لا يأتي الحنين على هيئة ذكرى كبيرة، بل يختبئ في التفاصيل الصغيرة. في مقعد اعتدنا الجلوس عليه، أو شارع مررنا به كثيرًا، أو أغنية سمعناها في زمن مختلف.
فجأة يعود كل شيء كما كان، ليس في الواقع، بل في القلب. ونشعر أن الماضي ما زال قريبًا رغم المسافات الطويلة التي تفصلنا عنه.
والحنين من أكثر المشاعر قدرة على الحديث بصمت. فهو لا يطرق الأبواب بصخب، بل يدخل بهدوء ويجلس في زاوية الروح، ثم يبدأ في إيقاظ الذكريات واحدة تلو الأخرى.
ولهذا لا يحتاج الحنين إلى كلمات كثيرة، لأنه يعرف أن القلب سيفهمه مهما حاول تجاهله.
ذكريات لا تغادر القلب
هناك أشخاص يرحلون من حياتنا، لكنهم لا يرحلون من ذاكرتنا أبدًا. تمضي السنوات وتتغير الوجوه والأماكن والظروف، بينما تبقى بعض الذكريات ثابتة في مكانها، كأن الزمن مر على كل شيء إلا عليها.
وقد يحاول الإنسان أحيانًا أن ينسى، لكنه يكتشف أن القلب لا يعمل بقوانين العقل. فالعقل قد يقتنع بأن بعض الصفحات انتهت، أما القلب فيظل محتفظًا بشيء من الأثر، وببعض الحنين، وبصوت بعيد يأتي بين حين وآخر ليذكره بما مضى.
ولذلك لا تكون قوة الذكريات في بقائها فقط، بل في قدرتها على العودة فجأة دون موعد. قد يكفي عطر معين، أو صورة قديمة، أو اسم عابر، حتى يعود الزمن سنوات طويلة إلى الخلف.
وحينها ندرك أن بعض اللحظات لا تموت، بل تختبئ في أعماقنا وتنتظر فرصة صغيرة لتعود إلى الحياة.
الروح التي تتعب من المقاومة
ليست كل المعارك التي نخوضها ظاهرة للعيان. فهناك معارك صامتة لا يراها أحد، تدور داخل القلب والعقل في كل يوم. معارك بين ما نريد وما نستطيع، بين ما نحلم به وما تفرضه علينا الحياة، بين الرغبة في التمسك بشيء ما والحاجة إلى التخلي عنه.
ومع مرور الوقت تتعب الروح من المقاومة المستمرة. ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها تحمل فوق طاقتها أحيانًا.
ولهذا يحتاج الإنسان إلى لحظات هدوء يبتعد فيها عن ضجيج العالم، ليعيد ترتيب أفكاره، ويمنح قلبه فرصة للتنفس، ويصغي إلى ذلك الصوت الداخلي الذي كثيرًا ما نتجاهله وسط ازدحام الحياة.
فالروح مثل الأرض، تحتاج أحيانًا إلى المطر، وأحيانًا إلى الشمس، وأحيانًا إلى فترة من السكون حتى تستعيد خصوبتها من جديد.
الأشياء التي لا نقولها
في داخل كل إنسان كلمات كثيرة لم تُقل. اعتذارات تأخرت، ورسائل لم تُرسل، ومشاعر بقيت حبيسة القلب خوفًا أو ترددًا أو حياءً.
وربما لو قيلت تلك الكلمات في وقتها لتغيرت أشياء كثيرة. لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا الفرصة المناسبة، ولا تمنحنا الشجاعة الكافية في اللحظة التي نحتاجها.
ولهذا تمتلئ الذاكرة أحيانًا بعبارات تبدأ بـ "ليتني قلت" أو "ليتني فعلت". وهي عبارات تحمل في داخلها شيئًا من الندم، وشيئًا من الحكمة التي لا تأتي إلا بعد فوات الأوان.
لكن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو ألا يحمل قلبه أكثر مما يحتمل، وأن يمنح مشاعره الصادقة فرصة للظهور قبل أن تتحول إلى ذكريات مؤلمة.
حين نشتاق إلى أنفسنا القديمة
ليس الحنين دائمًا إلى أشخاص أو أماكن، بل قد يكون إلى نسخة قديمة من أنفسنا. إلى ذلك الإنسان الذي كنا عليه قبل أن تعلمنا الحياة بعض دروسها القاسية، وقبل أن تترك الأيام آثارها في أرواحنا.
نشتاق أحيانًا إلى براءة البدايات، وإلى الأحلام التي كانت تبدو ممكنة، وإلى الثقة التي كانت تجعلنا نرى المستقبل أكثر إشراقًا.
ومع ذلك فإن كل مرحلة من العمر تترك فينا شيئًا ثمينًا. فحتى الخيبات تحمل دروسًا، وحتى الانكسارات تمنحنا قوة لم نكن نعرف أننا نمتلكها.
ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى الماضي باعتباره الفردوس المفقود دائمًا، بل باعتباره جزءًا من الرحلة التي صنعت ما نحن عليه اليوم.
في المساء تتكلم الأرواح
للمساء علاقة خاصة بالمشاعر. فعندما يهدأ العالم قليلًا وتخف حركة الحياة، تجد الأرواح فرصة للكلام.
في ساعات المساء يعود الإنسان إلى نفسه، ويتذكر ما حاول نسيانه طوال النهار، ويمنح قلبه مساحة للتأمل والتفكير.
وربما لهذا السبب وُلدت أجمل القصائد وأصدق الخواطر في أوقات السكون. فالصمت يمنح المشاعر فرصة للظهور، والهدوء يسمح للأفكار بأن تتشكل بعيدًا عن ضجيج الواقع.
وكم من قرار مهم اتخذه إنسان في لحظة هدوء، وكم من حقيقة اكتشفها عن نفسه حين جلس وحده يستمع إلى صوت روحه.
القلب الذي لا يزال يؤمن
رغم كل ما يمر به الإنسان من خيبات وتجارب مؤلمة، يبقى في داخله جزء صغير يرفض الاستسلام. جزء ما زال يؤمن بأن الأيام الجميلة ممكنة، وأن اللقاءات الصادقة موجودة، وأن الأمل يستحق المحاولة.
وهذا الجزء هو الذي يمنحنا القدرة على الاستمرار. لأنه يذكرنا دائمًا بأن الحياة لا تتوقف عند لحظة حزن واحدة، ولا عند تجربة واحدة، ولا عند باب أغلق في وجه أحلامنا.
فالقلوب التي تعرف معنى الأمل لا تموت بسهولة، حتى وإن تعبت كثيرًا في الطريق.
وفي الجزء الثالث تستمر الرحلة مع خواطر أعمق عن الوحدة، والانتظار، والأمل، والرسائل التي تكتبها الروح ولا يقرأها أحد.
الوحدة التي لا تشبه أحدًا
ليست الوحدة دائمًا أن تجلس في مكان خالٍ من الناس، فقد يشعر الإنسان بالوحدة وسط أكثر الأماكن ازدحامًا. هناك نوع من الفراغ لا تملؤه الوجوه الكثيرة ولا الأحاديث الطويلة، لأنه فراغ يسكن في الداخل لا في الخارج.
وقد يمر الإنسان بأيام يبدو فيها محاطًا بالجميع، لكنه يشعر أن لا أحد يعرف حقيقة ما يدور في قلبه. فيبتسم حين ينبغي أن يبتسم، ويتحدث حين يُنتظر منه الكلام، بينما تبقى أجزاء كثيرة من روحه بعيدة عن متناول الآخرين.
وهذه الوحدة ليست دائمًا مؤلمة، فبعض الناس يتصالحون معها ويحولونها إلى مساحة للتأمل واكتشاف الذات. لكنها تصبح ثقيلة عندما يطول بقاؤها، وعندما يشعر الإنسان أنه يحمل مشاعره وحده دون أن يجد من يشاركه عبء الطريق.
ومع ذلك تبقى الوحدة أحيانًا معلمًا صامتًا يعلمنا أشياء كثيرة عن أنفسنا وعن الحياة.
الانتظار الذي يغير ملامح الأيام
هناك أنواع كثيرة من الانتظار. انتظار خبر سعيد، أو لقاء مؤجل، أو حلم بعيد، أو فرصة طال غيابها. وكلما طال الانتظار ازدادت المسافة بين ما نريده وما نعيشه.
والغريب أن الانتظار لا يقاس بالوقت فقط، بل بما يتركه في القلب من أثر. فقد تمر ساعات قليلة تبدو طويلة كأنها سنوات، وقد تمضي شهور كاملة دون أن نشعر بها لأننا منشغلون بأشياء أخرى.
وفي لحظات الانتظار يتعلم الإنسان الصبر أكثر من أي وقت آخر. يتعلم أن بعض الأمنيات تحتاج إلى وقت أطول مما توقع، وأن الحياة لا تمنح ثمارها دائمًا في اللحظة التي نرغب بها.
ولهذا فإن الانتظار، رغم قسوته أحيانًا، يحمل في داخله دروسًا لا تمنحها الطرق السهلة.
رسائل تكتبها الروح
في أعماق كل إنسان رسائل كثيرة لم تصل إلى أصحابها. رسائل حب، ورسائل شوق، ورسائل اعتذار، ورسائل وداع. بعضها كُتب في الخيال فقط، وبعضها كُتب على الورق ثم مزقته اليد قبل أن يراه أحد.
والسبب أن بعض المشاعر لا تبحث عن الوصول بقدر ما تبحث عن الخروج من القلب. فمجرد كتابتها يمنح الروح شيئًا من الراحة، حتى لو لم يقرأها أحد.
كم من رسالة كتبها إنسان في ساعة متأخرة من الليل، ثم أخفاها في درج بعيد أو حذفها قبل إرسالها. لكنه بعد ذلك شعر أن حملًا ثقيلًا قد خف عن قلبه.
فالكتابة ليست دائمًا وسيلة للتواصل مع الآخرين، بل قد تكون وسيلة للتصالح مع النفس أيضًا.
الأمل الذي يولد من التعب
يظن كثيرون أن الأمل يولد في الأوقات الجميلة فقط، لكن الحقيقة أن أقوى أشكال الأمل تظهر بعد التعب. فعندما يمر الإنسان بمرحلة صعبة ويواصل السير رغم كل شيء، فإنه يكتشف أن في داخله قوة لم يكن يعرفها من قبل.
الأمل ليس تجاهلًا للواقع، ولا إنكارًا للصعوبات، بل هو القدرة على رؤية الضوء رغم وجود العتمة. وهو الإيمان بأن الطريق قد يكون طويلًا، لكنه ليس مغلقًا.
ولهذا فإن أكثر الناس تقديرًا للحظات الفرح هم أولئك الذين عرفوا معنى الحزن، وأكثرهم تمسكًا بالأمل هم الذين مروا بتجارب جعلتهم يدركون قيمة النور بعد الظلام.
فالوردة لا تسأل الأرض كم مرة داستها الأقدام، بل تستمر في التفتح كلما وجدت فرصة للحياة.
حين نتعلم أن نترك بعض الأشياء
من أصعب الدروس التي يتعلمها الإنسان أن بعض الأشياء لا يمكن الاحتفاظ بها إلى الأبد. فهناك أشخاص نعبر معهم جزءًا من الطريق ثم يفترق المسار، وهناك أحلام تتغير ملامحها، وأبواب تغلق رغم كل المحاولات.
وفي البداية يبدو التخلي مؤلمًا، لكن الزمن يكشف لنا أحيانًا أن بعض النهايات كانت ضرورية لبدايات أخرى.
فالتمسك بكل شيء قد يمنعنا من استقبال أشياء جديدة، والخوف من الفقد قد يحرمنا من متعة التجربة.
ولهذا لا يكون النضج في الاحتفاظ بكل ما نحب، بل في معرفة ما يستحق البقاء وما ينبغي أن نتركه يمضي بسلام.
أصوات لا يسمعها إلا الليل
في الليل تتغير طبيعة الأشياء. تصبح الذكريات أكثر وضوحًا، والأسئلة أكثر حضورًا، والمشاعر أكثر صدقًا. وربما لهذا يشعر كثير من الناس أن الليل يعرف أسرارهم أكثر من أي شخص آخر.
في تلك الساعات الهادئة تخرج من الأعماق أصوات كانت مختبئة طوال النهار. أصوات الشوق، والحنين، والندم، والأمل، والخوف، والأحلام المؤجلة.
ولأن الليل لا يقاطع أحدًا، فإنه يمنح الروح فرصة لتقول ما تريد دون خوف من الأحكام أو التفسيرات.
ولهذا كانت الليالي دائمًا وطنًا للخواطر والقصائد والرسائل التي يكتبها القلب حين يعجز عن الكلام.
ويبقى في الروح متسع للنور
مهما مر على الإنسان من تجارب، ومهما أثقلت الأيام قلبه ببعض الأحزان، يبقى في الروح مكان صغير للنور. مكان لا تستطيع الخيبات الوصول إليه بالكامل، ولا تستطيع الظروف أن تطفئه.
ومن ذلك المكان يولد الأمل، وتبدأ البدايات الجديدة، وتعود الأحلام إلى الحياة مرة أخرى.
فالحياة لا تطلب منا أن نكون أقوياء طوال الوقت، لكنها تطلب منا ألا نتوقف عن النهوض كلما تعثرنا.
وفي الجزء الرابع من هذا المقال نقترب أكثر من حكمة المشاعر، ونتأمل كيف تصنعنا الأيام، وكيف تتحول التجارب إلى نور يرافقنا في بقية الطريق.
الأيام التي تصنع الإنسان
لا يصنع الإنسان يوم واحد، ولا تجربة واحدة، ولا قرار واحد. بل تتشكل شخصيته عبر سنوات طويلة من الفرح والحزن، من النجاح والتعثر، من اللقاءات التي منحته السعادة والفراقات التي علمته الصبر.
وكل يوم يمر يترك أثرًا صغيرًا في الروح، حتى وإن لم نشعر به في حينه. ومع تراكم الأيام تتغير نظرتنا للأشياء، وتنضج أفكارنا، ونتعلم أن الحياة ليست كما كنا نظن في بدايات الطريق.
فما كنا نراه نهاية أصبح مجرد محطة، وما كنا نعده خسارة تحول إلى درس، وما كنا نخشاه صار جزءًا من خبرتنا في مواجهة الحياة.
ولهذا فإن الإنسان لا يكبر بالعمر فقط، بل يكبر بما عاشه وما فهمه وما تجاوزه من مراحل وتجارب.
المشاعر التي تعلمنا الحكمة
قد يظن البعض أن الحكمة تأتي من الكتب وحدها، لكن كثيرًا من الحكم الحقيقية تولد من المشاعر والتجارب. فالقلب الذي عرف الحزن يفهم قيمة الفرح أكثر، والإنسان الذي جرب الفقد يدرك أهمية من يملكون مكانة في حياته.
كما أن الانتظار يعلم الصبر، والخيبة تعلم الحذر، والنجاح يعلم الثقة، والمحبة الصادقة تعلم الوفاء.
وهكذا تتحول المشاعر مع مرور الزمن إلى معلمين صامتين يرافقان الإنسان في رحلته، ويمنحانه فهمًا أعمق لنفسه ولمن حوله.
وربما لهذا السبب تختلف نظرتنا إلى الحياة كلما تقدمنا في العمر، لأننا لا نرى الأشياء كما هي فقط، بل كما علمتنا التجارب أن نراها.
حين نصبح أكثر هدوءًا
في بدايات العمر نحاول أن نشرح كل شيء، وأن ندافع عن كل فكرة، وأن نثبت للآخرين صحة ما نؤمن به. لكن مع مرور السنوات نكتشف أن الهدوء أحيانًا أكثر قوة من الجدل، وأن بعض الحقائق لا تحتاج إلى إثبات.
فنصبح أقل رغبة في خوض المعارك الصغيرة، وأكثر ميلًا إلى السلام الداخلي. وندرك أن راحة القلب أثمن من الانتصار في كثير من النقاشات.
ولذلك يبدو بعض الناس أكثر هدوءًا مع تقدم العمر، ليس لأنهم فقدوا الشغف أو المشاعر، بل لأنهم تعلموا أين يضعون طاقتهم، ومتى يتحدثون، ومتى يكتفون بالصمت.
الامتنان للأشياء البسيطة
من أجمل ما تمنحه التجارب للإنسان أنه يبدأ في تقدير الأشياء البسيطة. فبعد سنوات من البحث عن الإنجازات الكبيرة والأحلام البعيدة، يكتشف أن السعادة قد تسكن تفاصيل صغيرة جدًا.
قد تكون في جلسة هادئة مع من نحب، أو في صباح مريح، أو في خبر جميل يأتي بعد فترة طويلة من الانتظار، أو حتى في لحظة سلام داخلي نشعر فيها أن كل شيء على ما يرام.
فالإنسان كلما نضج أدرك أن قيمة الحياة لا تقاس فقط بما نملكه، بل بما نشعر به ونحن نعيشها.
ولهذا يصبح الامتنان عادة جميلة تجعل الأيام أكثر إشراقًا، حتى في الأوقات العادية التي قد تبدو بسيطة للآخرين.
القلب الذي يواصل النبض بالأمل
رغم كل ما يمر به الإنسان من ظروف وتحديات، يبقى الأمل أحد أعظم القوى التي تمنحه القدرة على الاستمرار. فالأمل لا يغير الواقع مباشرة، لكنه يغير الطريقة التي ننظر بها إلى الواقع.
وحين يؤمن الإنسان بأن القادم قد يكون أجمل، يصبح أكثر قدرة على تجاوز الصعوبات ومواصلة السير نحو أهدافه.
ولهذا لم تكن الأحلام يومًا رفاهية، بل كانت دائمًا جزءًا من قوة الإنسان الداخلية. فهي التي تدفعه إلى النهوض بعد السقوط، وإلى المحاولة بعد الفشل، وإلى الابتسام بعد الحزن.
وما دام القلب قادرًا على الحلم، فإنه قادر أيضًا على البدء من جديد.
حين تتكلم الروح أخيرًا
بعد سنوات من الصمت، وبعد آلاف المشاعر التي مرت بها القلوب، تدرك الروح حقيقة جميلة: أن الحياة ليست كاملة، ولن تكون كذلك أبدًا. لكنها مع ذلك تستحق أن تُعاش بكل ما فيها من فرح وحزن، من لقاء وفراق، من نجاح وتعثر.
وتتعلم الروح أن السلام لا يأتي من امتلاك كل شيء، بل من الرضا بما لدينا، ومن القدرة على التعايش مع ما لا نستطيع تغييره.
كما تدرك أن بعض الجروح يداويها الزمن، وأن بعض الأمنيات تتحقق حين نتوقف عن مطاردتها، وأن بعض الطرق الجميلة تبدأ من أماكن لم نكن نتوقعها أبدًا.
وحين تصل الروح إلى هذه المرحلة، يصبح صمتها مختلفًا. لم يعد صمت الحزن أو الخوف، بل صمت الحكمة والطمأنينة.
خاتمة المقال
في أعماق كل إنسان عالم كامل من المشاعر التي لا يراها الآخرون. هناك أحلام مؤجلة، وذكريات باقية، ورسائل لم تُرسل، وأمنيات تنتظر لحظتها المناسبة. وبين كل ذلك تواصل الروح رحلتها بصمت، تتعلم وتكبر وتتغير مع مرور الأيام.
وقد حاولت هذه الخواطر أن تقترب من ذلك العالم الخفي الذي يسكن داخل القلوب، وأن تمنح الكلمات فرصة للتعبير عن مشاعر يعرفها كثير من الناس وإن اختلفت تفاصيلها.
فحين تتكلم الروح لا تبحث عن البلاغة، بل عن الصدق. ولا تبحث عن الكلمات الكثيرة، بل عن المعنى الذي يصل إلى القلب دون استئذان.
ولهذا ستبقى المشاعر الصادقة أجمل ما يكتبه الإنسان، وستبقى الروح قادرة على الكلام حتى في أكثر لحظات الصمت عمقًا، لأن بعض الأصوات لا تُسمع بالأذن، بل تُدرك بالقلب وحده.
```html📚 قم بزيارة أقسام الديوانية
استمتع بمحتوى أدبي وثقافي متنوع، واختر القسم الذي يناسب اهتماماتك.
📖 اكتشف أحدث المقالات العامة 📚 اقرأ أجمل القصص والروايات ✒️ تعلّم أسرار الشعر الفصيح 🏜️ تعرّف على الشعر النبطي 🌹 استمتع بأجمل الخواطر الشعرية 💭 اقرأ خواطر نثرية ملهمة 🖋️ اكتب قصيدتك الموزونة الآن 📜 تصفح ديوان الشاعر علي محمد البكري
تعليقات
إرسال تعليق