القائمة الرئيسية

الصفحات

هل يختار لك الطريق القلب ام العقل واي اختيار هو الافضل لك

عندما يختار القلب.. الطريق الذي لا يتوقعه العقل
عندما يختار القلب الطريق الذي لا يتوقعه العقل

عندما يختار القلب.. الطريق الذي لا يتوقعه العقل

في مملكةٍ بعيدةٍ تحيط بها الجبال الشامخة والغابات الكثيفة، كانت هناك أسطورةٌ قديمة تُروى للأجيال.. تقول إن في أعالي القمم تنمو «شجرة الحكمة»، ومن يصل إليها ينال كنزاً من المعرفة لا يفنى. ولكن الطريق إليها كان مليئاً بالألغاز والمخاطر، ولم يجرؤ أحدٌ على السير فيه منذ قرون.. حتى جاء «سامر».

كان سامر شاباً ذكياً جداً، يُضرب به المثل في الفطنة والحساب. كان يؤمن إيماناً مطلقاً بأن العقل وحده هو سبيل النجاح، وأن المشاعر مجرد أوهام لا قيمة لها. عندما سمع بأسطورة الشجرة، قرر أن يكون هو من يكسر القاعدة ويصل إليها. جهز خرائطه، ودون ملاحظاته، وحسب كل خطوة بدقة متناهية، وقال في نفسه: «بالمنطق والحساب سأصل، حيث فشل الآخرون بجهلهم».

انطلق سامر في رحلته، وسار لأيامٍ وليالٍ، مسترشداً بما كتبه ورسمه. كانت الطرق وعرة، لكن ذكاءه كان ينقذه دائماً. حتى وصل يوماً إلى مفترق طرقٍ كبير، كُتب على لوحةٍ حجرية ضخمة أمامه:

«طريقان أمامك.. طريقٌ يراه العقل آمناً معبداً، لكن نهايته مجهولة.. وطريقٌ يراه العقل مخيفاً وعراً، لكن نهايته تحمل ما تبحث عنه.. والاختيار لك»

نظر سامر إلى اليمين، فرأى طريقاً واسعاً نظيفاً، مليئاً بالعلامات والإشارات، واضح المعالم، فابتسم وقال بثقة: «هذا هو الطريق الصحيح، لا شك في ذلك.. إنه منطقي وآمن». ثم نظر إلى اليسار، فإذا الطريق ضيقٌ جداً، محاطٌ بالصخور والأشجار الكثيفة، لا تظهر نهايته، وتصدر منه أصوات الرياح العاتية، فعبس وقال: «هذا طريق الهلاك.. فقط المجانين من يسلكونه».

دون أي تردد أو تفكير آخر، سار سامر في الطريق الأول، واثقاً من أن عقله قاده للصواب. سار فيه طويلاً، ولكن شيئاً غريباً بدأ يحدث.. فكلما ازداد الطريق اتساعاً، ازدادت وحشته، وكلما ازداد وضوحاً، شعر بضيقٍ في صدره لا يعرف له سبباً. ومع مرور الأيام، اكتشف الكارثة.. لقد كان الطريق يوهم بالاستقامة، لكنه في الحقيقة دائرة مفرغة تعود به إلى نقاطٍ سابقة، وفخاخاً ذكية لم تحسبها خرائطه، لأنها صُممت بذكاءٍ يشبه ذكاءه، لكنه ذكاءٌ خادع.

نفدت مؤنه، وضل طريقه تماماً، وجلس تحت شجرةٍ ينتظر مصيره، وبدأت قناعته المطلقة بعقله تتهاوى أمامه. وبينما هو غارق في يأسه، سمع خطواتٍ بطيئة واثقة تقترب.. رفع رأسه، فإذا به يرى رجلاً عجوزاً يحمل عصاً من خشب الزيتون، يبتسم بهدوء ويمشي كأنه يسير في أرضه.

«يا عم.. كيف وصلت إلى هنا؟ هذا طريقٌ لا ينجو منه أحد، لقد ضعت فيه وضاع مني كل شيء!»

ابتسم العجوز، وجلس بجانبه وقال بصوتٍ دافئ يحمل حكمة السنين:

«يا بني.. أنا لم أسلك هذا الطريق أبداً. أنا قادمٌ من الطريق الآخر.. ذلك الذي رآه عقلك مخيفاً وعراً».

فتح سامر عينيه بدهشةٍ كبيرة وقال: «كيف؟! إنه مليء بالصخور والغابات! كيف يكون الطريق الصحيح هو الأصعب؟!».

«العقل يا بني.. يرى فقط ما هو ظاهر أمامه، فيقيس الأمان بمدى وضوح الطريق. أما القلب.. فيرى ما وراء الطريق، يرى الهدف والغاية. العقل يخاف من الصعوبات، فيبتعد عنها.. والقلب يعرف أن الجنة تحتويها الصعوبات، فيتجاوزها. لقد ضعت لأنك اعتمدت على عقلٍ لم يُصمم ليرى ما هو أبعد من الحسابات، ونسيت أن تستدل بقلبك».

أخبره العجوز أنه هو أيضاً ضل طريقه في بداية شبابه عندما كان مثله، يعتمد على الخرائط والقياسات، لكنه تعلم سر الحياة الكبير.. أن هناك إشارات لا تُرى بالعين ولا تُقاس بالأرقام، بل تُحس فقط بالسكينة التي تغمر القلب أو الضيق الذي يعتريه.

عرض العجوز على سامر العودة معه، ولكن بشرطٍ واحد: «أن تلقي بكل خرائطك وحساباتك جانباً، وتجعل قلبك هو الدليل الوحيد». تردد سامر قليلاً، لكنه أدرك أن ذكاءه لم ينقذه، فوافق وتخلى عن كل ما كان يملكه.

سلكا الطريق الثاني.. كان صعباً جداً حقاً، مليئاً بالمنحنيات والصخور، لكن سامر عاش تجربة جديدة لم يعرفها من قبل.. كان كلما شعر بانشراحٍ في صدره، استمر في طريقه، وكلما شعر بضيقٍ أو قلقٍ، غير اتجاهه. اكتشف أن «الشعور الصادق» هو البوصلة الحقيقية التي لا تخطئ.

وبعد مشوارٍ شاقٍ ومليء بالأحداث والمواقف التي غيرت نظرته للحياة بأكملها، وصلا أخيراً إلى القمة الشاهقة.. وهناك، وسط الضوء الساطع والرائحة العطرة، كانت تقف «شجرة الحكمة» باسقةً عظيمة، كما وصفتها الأساطير. أخذ سامر ثمرةً منها، ونظر إلى العجوز وقال بصوتٍ مملوء بالدموع والامتنان: «لقد وجدت الكنز الحقيقي.. ولم يكن الشجرة، بل كان المعرفة التي تعلمتها للوصول إليها».

📜 الحكمة من القصة

العقل هو البوصلة التي ترسم لنا الطريق، لكن القلب هو النور الذي يكشف لنا الحقيقة.
لا يكفي أن تكون ذكياً فقط، ولا يكفي أن تكون عاطفياً فقط.. فالنجاح الحقيقي يكمن في أن تتعلم كيف توازن بين عقلك وقلبك.
فهناك طرقٌ في الحياة، مهما بدت آمنة ومنطقية للعقل، إلا أنها قد تقودك للضياع، وهناك قراراتٌ قد يراها عقلك مجنونة، لكن قلبك يشعر بالسكينة تجاهها.. وهنا يكمن الطريق الصحيح.
في كثيرٍ من الأحيان.. ما لا يفهمه العقل.. يدركه القلب.


📚 قصص مختارة من ديوانية أبو عبد المجيد

إذا أعجبتك هذه القصة، فاستمتع بقراءة المزيد من القصص الحصرية.

تعليقات