نور النبوة في قوافي الأنصار: روائع حسان بن ثابت
منذ بزوغ فجر الإسلام، سخر الله للحق ألسنةً تذود عنه بالكلمة كما يذود الأبطال بالسيوف. وكان على رأس هؤلاء "شاعر الرسول" الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه، الذي امتزج إيمانه بفصاحته، فخرجت كلماته نوراً يمدح المصطفى ﷺ، ويخلد صفاته في ذاكرة الزمن. نقدم لكم في "ديوانية ابو عبدالمجيد" واحدة من أبهى قصائده التي تغنى فيها بعظمة النبي واقتران اسمه باسم رب العزة.
وضَمَّ الإلهُ اسمَ النبيِّ إلى اسمِهِ ... إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أشْهَدُ
وشَقَّ لهُ منِ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذو العَرشِ مَحمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
نَبِيٌّ أتَانَا بَعْدَ يَأسٍ وَفَتْرَةٍ ... مِنَ الرُّسْلِ والأوثانِ في الأرضِ تُعْبَدُ
فأمسى سِرَاجاً مُستنيراً وَهادِياً ... يَلُوحُ كما لاحَ الصَّقيلُ المُهَنَّدُ
وأَنذرنا ناراً وبَشَّرَ جَنَّةً ... وعَلَّمَنا الإسلامَ فَاللهَ نَحمَدُ
وأنتَ إلهَ الخلقِ ربي وخالقي ... بذلكَ ما عُمِّرتُ في الناسِ أشْهَدُ
شرح القصيدة والوقوف على معانيها
يستهل حسان رضي الله عنه قصيدته بوصف النبي بـ "الأغر"، وهو وصف للوجه المشرق بالنور والجمال، مؤكداً وجود "خاتم النبوة" كعلامة مادية ومعنوية يشهدها كل من أبصر الحق. ثم ينتقل لواحد من أبلغ الأبيات في تاريخ المديح، حيث يصف كيف كرّم الله نبيه بأن قرن اسمه باسمه في الأذان (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله)، وفي هذا قمة "الإجلال" والتشريف.
ويعرج الشاعر على الظرف الزماني لبعثته ﷺ، فقد جاء في وقت "فترة" (أي انقطاع من الرسل)، حين أطبق ظلام الشرك على الأرض، فكان النبي هو "السراج المستنير" الذي بدد الظلمات، وشبهه بـ "الصقيل المهند" (السيف الهندي اللامع) إشارة إلى وضوح الحق الذي جاء به وقوته في قطع دابر الباطل.
خاتمة المحب
ستبقى كلمات حسان بن ثابت مدرسةً لكل من أراد أن يمدح الجمال والكمال. إنها ليست مجرد أبيات شعرية، بل هي "وثيقة حب" صاغها قلب صحابي عاصر النور ونهل من نبعه. إننا في "ديوانية ابو عبدالمجيد" نتشرف بنشر هذه الدرر، سائلين الله أن يجمعنا بصاحب هذه السيرة العطرة في جنات النعيم، وأن يجعل من مدرسة الشعر الفصيح منبراً دائماً لذكر الصالحين والثناء على سيد المرسلين.

صح لسانك
ردحذفاللهم صل وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد
ردحذف