الشعراء بين اتباع الغاوين وذكر الله.. طريقان وغاية واحدة
مقدمة ووصف للموضوع
الشعر هو ديوان العرب، ولسان حالهم الذي يترجم مشاعرهم، ويعبر عن أفكارهم، ويسجل تاريخهم عبر العصور. كان الشاعر في الماضي بمثابة الناطق الرسمي لقبيلته، والمرجع الذي يُلتف حوله، وتُحفظ كلماته وتُنقل من جيل إلى جيل. ولكن مع عظمة هذا الفن وقدسيته، جاء السؤال المحوري الذي طالما شغل الفكر والوجدان: هل كل الشعراء لهم نفس المصير الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حين قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾؟ أم أن هناك صنفًا آخر من الشعراء، لهم مكانتهم العظيمة، ومكانهم الرفيع، لا يتبعهم إلا أهل التقوى والهدى؟
إن هذا الموضوع يفتح أمامنا بابًا واسعًا للتفكر في حقيقة الشعر ورسالته، وكيف أن الكلمة التي ينطق بها اللسان وتخطها اليد إما أن تكون نورًا يهتدي به الناس، أو ظلامًا يضلون فيه. فالشعر ليس مجرد قوافي وأوزان، بل هو رسالة ومسؤولية، والشاعر ليس مجرد منظم كلمات، بل هو صانع أثر، إما في ميزان حسناته أو سيئاته. وفي هذا المقال، سنغوص في عمق هذه المعاني، ونكشف الفرق بين الشعراء الذين ساروا في دروب الغواية، وبين أولئك الذين جعلوا ذكر الله رأس مالهم وطريقهم إلى رضاه وجنته.
الشعراء والغاوون.. صورة وتحليل
عندما نقرأ الآية الكريمة: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، فإننا نفهم أن هذه الصفة ليست عامة على كل الشعراء، بل هي تصف فئة منهم انحرفت بفنها عن جادة الصواب. هؤلاء الشعراء جعلوا من شعرهم مطية للهوى، ووسيلة للكذب، ومجالًا للغزل الفاحش، أو الهجاء المقذع، أو الفخر الكاذب، والدعوة إلى ما يخالف الحق والفضيلة.
لذلك كان أتباعهم من الغاوين، أي الضالين عن طريق الحق، الذين يميلون مع كل ناعق، ويتبعون كل ما يلهي النفس ويشبع رغباتها الدنيوية الزائلة. هؤلاء الشعراء لم يجعلوا لله نصيبًا في أشعارهم، ولم يذكروه إلا نادرًا أو رياءً وسمعة، فكانت كلماتهم كالشجر لا ثمر له، جذوره في الأرض وفروعه لا تصل إلى السماء. كلماتهم تُنسى، وأثارهم تضمحل، لأنها بُنيت على غير أساس من التقوى والصدق.
فالغواية هنا ليست في فن الشعر ذاته، بل في الهدف منه ومحتواه. فمن جعل شعره لغير الله، واتخذه وسيلة لتحقيق أغراض دنيئة أو باطلة، فإن طريقه سيكون مع الغاوين، وسيكون أجره ما اكتسبه من دنيا زائلة تذهب كما ذهب سابقيه.
الشعراء الذاكرون الله.. النور والهداية
وفي المقابل، هناك صنف آخر من الشعراء، هم النخبة والصفوة، الذين أدركوا قيمة الكلمة، وعرفوا أن اللسان الذي ينطق بالشعر هو نعمة من الله يجب أن تُستخدم في طاعته. هؤلاء هم الذين استثناهم الله في الآية نفسها حين قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.
هؤلاء الشعراء لا يتبعهم الغاوون، بل يتبعهم المؤمنون، وأهل العقول الراجحة، والذين يبحثون عن الحق. شعرهم ينبع من قلب مليء بمعرفة الله، ولسان لا ينقطع عن ذكره في كل حال. تجد في أشعارهم تمجيدًا للخالق، ودعوة إلى التوحيد، وتذكيرًا بالآخرة، ووصفًا للجنة والنار، وحثًا على الأخلاق الفاضلة، والصبر على المصائب. كلماتهم كالمطر حين يهطل، يحيي القلوب الميتة، وينبت المعاني الطيبة في النفوس القاحلة.
لقد كان لنا في سلفنا الصالح نماذج رائعة، كشاعر الرسول ﷺ حسان بن ثابت رضي الله عنه، الذي كان ينصر الدين بشعره، ويذب عن رسول الله، فكان شعره في ميزان حسناته إلى يوم القيامة. وكذلك غيره من الشعراء الذين ملأت قصائدهم الدنيا نورًا وهداية، لأنهم جعلوا ذكر الله شعارهم، ومرضاة ربهم غايتهم. فالشعر عندهم وسيلة تقربهم إلى الله، وليس وسيلة لابتعاد عنه.
عندما تكون شاعرًا.. فاجعل ذكر الله لسانك الذي لا يمل
إذا كنت ممن وهبهم الله موهبة الشعر، وسلاسة اللسان، وقوة البيان، فاعلم أنك تحمل أمانة عظيمة ومسؤولية كبرى أمام الله يوم القيامة. فالكلمة التي تخرج منك إما أن تكون صدقة جارية لك، أو وبالًا عليك.
فالوصية التي يجب أن تحفرها في قلبك ولسانك هي: عليك بذكر الله، لا ينقطع عنه لسانك. اجعل البدء في كل قصيدة باسمه، والانتهاء بحمده وشكره. اجعل المعاني التي تنسجها تُعلي من شأن الدين، وتُذكر بالمعاد، وتدعو إلى الفضيلة. لا تجعل شعرك مقصورًا على وصف المظاهر الزائلة، أو الغرائز الدنيئة، بل ارتقِ بشعرك ليكون مرآة تعكس جمال الإيمان وروعة التقوى.
عندما يمتزج الشعر بذكر الله، تتحول القصيدة إلى دعوة، وتتحول الكلمة إلى نور، ويصبح الشاعر داعية بلسانه قبل أن يكون شاعرًا بفنه. حينها لن يتبعك إلا من يريد الخير، وستكون من الذين قال الله فيهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فهؤلاء هم الشعراء الحقيقيون، وأصحاب الكلمة الخالدة التي لا تبلى بمرور الزمن، ولا تموت بموت قائلها، بل تبقى صدقة جارية له ما دامت تُقرأ وتُسمع.
خاتمة
في النهاية، يتضح لنا أن الشعر كغيره من نعم الله، هو أداة بيد الإنسان، إما أن يستخدمها لطاعة ربه فيكون من السعداء، أو يستخدمها لمعصيته فيكون مع الأشقياء. فالقضية ليست في كونك شاعرًا أم لا، بل في ماذا تنظم من شعر، ولمن توجهه؟
فالشعراء نوعان: صنف اتبعهم الغاوون لأنهم اتبعوا أهواءهم، وصنف اتبعهم المهتدون لأنهم اتبعوا رضى ربهم. وإن أسمى ما يمكن أن يصل إليه الشاعر أن يكون لسانه رطبًا بذكر الله، لا يفتر عن تمجيده وشكره وذكر نعمه وآلائه، فهذا هو الشعر النافع، وهذا هو الشاعر الذي ترفع له الرؤوس، وتخلد له الذكرى في الدنيا والآخرة. فكن أيها الشاعر من هؤلاء، واجعل رضى الله هدفك الأسمى، تكن ممن ربح الدنيا والآخرة.

كلام جميل🌹
ردحذفالاجمل مرورك هنا تحياتي
ردحذف