مالئ الدنيا وشاغل الناس: "واحرّ قلباه" صرخة المتنبي الخالدة
مقدمة:
لا يزال صوت أبي الطيب المتنبي يتردد في ردهات التاريخ، حاملاً معه كبرياء الشاعر وعنفوان الفارس. وفي قصيدته "واحرّ قلباه"، نجد المزيج المذهل بين لوعة العتاب وشموخ الذات. كتبها المتنبي في لحظة فارقة من علاقته بسيف الدولة الحمداني، حين أحس ببرود الود ودسائس الحاسدين، فجاءت أبياتها كأنها سياط من كبرياء، تارة تمدح وتارة تعاتب، وتارة تذكر العالم بمن هو المتنبي.
أبيات القصيدة
واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ
وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ
مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي
وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ الأُمَمُ
إِن كانَ يَجمَعُنا حُبٌّ لِغُرَّتِهِ
فَلَيتَ أَنّا بِقَدرِ الحُبِّ نَقتَسِمُ
يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي
فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً
أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ
وَمَا انْتِفاعُ أخي الدّنْيا بِنَاظِرِهِ
إذا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأنْوارُ وَالظُّلَمُ
سَيَعلَمُ الجَمعُ مِمَّن ضَمَّ مَجلِسُنا
بِأَنَّني خَيْرُ مَن تَسعى بِهِ قَدَمُ
أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي
وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها
وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ
إِذا رَأَيتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَةً
فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ يَبتَسِمُ
فَالخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني
وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ
يا مَن يَعِزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم
وِجدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ
إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِدُنا
فَمَا لِجُرحٍ إِذا أرْضاكُمُ ألَمُ
وَبَيْنَنَا لَوْ رَعَيْتُمْ ذاكَ مَعْرِفَةٌ
إنّ المَعارِفَ في أهْلِ النُّهَى ذِمَمُ
ما أَبعَدَ العَيبَ وَالنُقصانَ عَن شَرَفي
أَنا الثُرَيّا وَذانِ الشَيبُ وَالهَرَمُ
إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا
أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلُونَ هُمُ
شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِ
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ
هَذا عِتابُكَ إِلّا أَنَّهُ مِقَةٌ
قَد ضُمِّنَ الدُرَّ إِلّا أَنَّهُ كَلِمُ
خاتمة وشرح موجز للقصيدة:
تُعد هذه القصيدة أنموذجاً لـ "عتاب الملوك"؛ فالمتنبي لم يتوسل العطف، بل فرض احترامه بذكر مناقبه وفضله.
1. العاطفة المزدوجة: يبدأ المتنبي القصيدة بإظهار حرقة قلبه من جفاء سيف الدولة (شَبِمُ: أي بارد)، مؤكداً أن حبه حقيقي أنحل جسده، بينما حب الآخرين مجرد ادعاء.
2. الفخر بالذات: في الأبيات الوسطى، ينتقل المتنبي إلى قمة الفخر، مؤكداً أن شعره وصل للأعمى والأصم، وأنه يسهر في صياغة القوافي بينما ينام الآخرون، مشيراً إلى قوته وشجاعته التي تعرفها البيداء والليل.
3. الحكمة والرحيل: يختتم القصيدة بدرس في الكرامة، موضحاً أن قيمة الإنسان في المكان الذي يقدره، فإذا لم يجد التقدير، فإن "الرحيل" هو الخيار الذي يضع اللوم على الطرف الآخر، مختتماً بأن عتابه هذا نابع من محبة (مِقَة) وليس من كراهية.
لقد كانت هذه الكلمات هي "الدرر" التي خلدت اسم المتنبي، وجعلت من هذا العتاب دستوراً للكرامة الإنسانية.

تعليقات
إرسال تعليق