غريبٌ في الديار: "بِمَ التعلّلُ" وفلسفة الاغتراب عند المتنبي
مقدمة:
بعد سنوات من المجد في بلاط سيف الدولة، وجد المتنبي نفسه وحيداً في مصر، بعيداً عن أهله وخلّانه. في هذه القصيدة، لا يكتب المتنبي شعراً فحسب، بل يكتب فلسفة الوجود. إنها قصيدة الإنسان الذي أدرك أن الدنيا زائلة، وأن الكرامة أغلى من الاستقرار، فجاءت كلماته مفعمة بالحزن النبيل والأنفة العالية.
أبيات القصيدة
بِمَ التَعَلُّلُ لا أَهلٌ وَلا وَطَنُ
وَلا نَديمٌ وَلا كَأسٌ وَلا سَكَنُ
أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني
ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفسِهِ الزَمَنُ
لا تَلقَ دَهرَكَ إِلّا غَيرَ مُكتَرِثٍ
ما دامَ يَصحَبُ فيهِ روحَكَ البَدَنُ
فَما يَدومُ سُرورٌ ما سُرِرتَ بِهِ
وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ
مِمّا أَضَرَّ بِأَهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ
هَوُوا وَما عَرَفوا الدُنيا وَما فَطِنوا
تَفنى عُيونُهُمُ دَمعاً وَأَنفُسُهُم
في إِثرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ
تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
رَأَيتُكُم لا يَصونُ العِرضَ جارُكُمُ
وَلا يَدِرُّ عَلى مَرعاكُمُ اللَبَنُ
جَزاءُ كُلِّ قَريبٍ مِنكُمُ مَلَلٌ
وَحَظُّ كُلِّ مُحِبٍّ مِنكُمُ ضَغَنُ
وَتَغضَبونَ عَلى مَن نالَ رِفدَكُمُ
حَتّى يُعاقِبَهُ التَنغيصُ وَالمِنَنُ
إِنّي أُصاحِبُ حِلمي وَهوَ بي كَرَمٌ
وَلا أُصاحِبُ حِلمي وَهوَ بي جُبُنُ
وَلا أُقيمُ عَلى مالٍ أَذِلُّ بِهِ
وَلا أَلَذُّ بِما عِرضي بِهِ دَرِنُ
سَهِرتُ بَعدَ رَحيلي وَحشَةً لَكُمُ
ثُمَّ اِستَمَرَّ مَريري وَاِروى الوَسَنُ
وَإِن بُليتُ بِوُدٍّ مِثلِ وُدِّكُمُ
فَإِنَّني بِفِراقٍ مِثلِهِ قَمِنُ
خاتمة وشرح موجز للقصيدة:
تعكس هذه الأبيات حالة "الوجودية" التي عاشها المتنبي في أخريات حياته، ويمكن تلخيص معانيها في نقاط ثلاث:
1. عبثية الأماني: يبدأ بسؤال استنكاري مرير: "بِمَ التعلّل؟"، أي بماذا أتصبّر وأتسلّى وقد فقدت كل مقومات الاستقرار (الأهل، الوطن، الصديق)؟ ثم يطلق حكمته الشهيرة بأن الرياح غالباً ما تعاكس أماني البشر.
2. مواجهة الدهر باللامبالاة: يقدم المتنبي نصيحة ذهبية لنفسه وللقارئ، وهي عدم الاكتراث بتقلبات الزمان ما دام الجسد والروح معاً، لأن الحزن لا يعيد ما فات، والسرور لا يدوم.
3. عزة النفس والترفع: يؤكد الشاعر في ختام الأبيات المذكورة أنه يفضل الفقر والرحيل على البقاء في مكان يُذل فيه أو يُصاب فيه عرضه، موضحاً أن حلمه (صبره) نابع من الكرم والترفع، وليس من الضعف أو الجبن.
بهذه القصيدة، أثبت المتنبي أن الشاعر الحقيقي هو من يحوّل ألمه الشخصي إلى حكم تتردد على ألسنة الأجيال لقرون طويلة.

تعليقات
إرسال تعليق