بشائر الفجر.. حين تبتسم الدنيا في يوم العيد
ما إن تلوح في الأفق خيوط الفجر الأولى ليوم العيد، حتى يشعر المرء بأن الكون كله قد ارتدى حلة جديدة، وبأن الهواء الذي نستنشقه يحمل معه ذرات من السعادة الخالصة. العيد ليس مجرد تاريخ في تقويم، بل هو ميلاد جديد للأمل في نفوسنا، وهو المحطة التي نقف فيها لننفض عن كواهلنا غبار التعب، ونستقبل الحياة بابتسامة تملأ الوجوه والقلوب.
إن فرحة العيد هي تلك الأغنية الجميلة التي تعزفها القلوب قبل الحناجر، وهي الشعور السامي الذي يجعل الصغير يقفز طرباً، والكبير يستعيد روح الطفولة الكامنة في أعماقه. يبدأ العيد من تلك اللحظة التي تضج فيها المساجد بالتكبيرات، فتتردد أصداؤها في ملكوت السماء، لتعلن للعالم أن وقت الفرح قد حان، وأن القلوب قد تصالحت، وأن الأيدي قد امتدت لتعانق بعضها البعض في مودة لا تعرف الحدود.
في بيتنا، يكون للعيد طعم السكر ورائحة العود. نرى الأب، حفظه الله وأطال في عمره، وهو يوزع ابتساماته كأنها العطايا، يجمع حوله الأبناء والأحفاد، فيكون هو الخيمة التي نستظل بها، وهو النبع الذي نستقي منه معاني البر والصلة. إن وجود الأب في العيد هو العيد نفسه؛ ففي حضوره تكتمل الهيبة، وفي ضحكته نرى أماننا واطمئناننا، وهو الذي يعلمنا أن الفرح الحقيقي هو أن نرى من نحبهم بخير وعافية.
تتزين المجالس، وتفوح رائحة القهوة العربية الأصيلة، وتتسابق الأطباق والحلويات لتزين الموائد، ولكن الزينة الحقيقية هي تلك الوجوه المشرقة التي تلتقي بعد طول غياب. ما أجمل أن ترى الأخ يعانق أخاه، والصديق يصافح صديقه، والجار يحيي جاره. في العيد تذوب الخلافات كما يذوب الثلج تحت شمس الضحى، وتصبح النفوس صافية كصفاء السماء، فلا مكان لضغينة، ولا متسع لعتب، فالعيد أقصر من أن نضيعه في غير الحب.
وعندما ننظر إلى الأطفال، نرى العيد في أبهى صوره. هم رسل الفرح، يركضون بثيابهم الزاهية، ويتباهون بـ"العيدية" التي يجمعونها بكثير من الفخر، ويملؤون الحارات والبيوت ضجيجاً محبباً هو في الحقيقة موسيقى العيد. إن براءتهم تذكرنا بأن الفرح بسيط، وبأن السعادة لا تحتاج إلى تعقيدات، بل تحتاج فقط إلى قلب يقبل الحياة كما هي، وروح تحب الخير للجميع.
العيد هو دعوة للتفاؤل، هو رسالة من السماء تقول لنا: "افرحوا، فإنكم تستحقون الفرح". هو فرصة لنفتح صفحات جديدة مع الحياة، لنرسم أحلاماً أكبر، ولنؤمن بأن القادم دائماً أجمل. إن الشاعر في داخلي يرى العيد قصيدة لم تُكتب بعد، مطلعها المحبة، وقافيتها الوصال، ووزنها الإخاء. هو القصيدة التي يشترك الجميع في صياغتها، من أصغر طفل إلى أكبر شيخ.
فيا أيها العيد، أهلاً بك وبما جئت به من بشائر. أهلاً بذلك النور الذي غمرت به بيوتنا، وتلك السكينة التي أنزلتها على أرواحنا. جئت لتذكرنا أننا جسد واحد، وأن فرحنا لا يكتمل إلا إذا اقتسمناه مع الآخرين. إنك تجعلنا ندرك أن أغلى ما نملكه ليس الذهب ولا الفضة، بل هي تلك اللحظات الجميلة التي نقضيها مع أهلنا وأحبتنا، والذكريات السعيدة التي نبنيها معاً في كل عام.
ما أجمل العيد حين يكون صلة للرحم، ووفاءً للعهد، وتجديداً للمودة. إنه الوقت الذي ننسى فيه مشاغل الحياة وضغوطها، لنتفرغ تماماً لنبض القلوب. نذهب لزيارة الأهل، فنشعر بأن كل بيت ندخله هو بيتنا، وكل عائلة نلقاها هي عائلتنا. هذا الترابط هو السر الذي يجعل من أمتنا جسداً حياً، نابضاً بالحب والعطاء.
في كل زاوية من زوايا مدينتنا، نرى مظاهر الاحتفال، ولكن الاحتفال الأكبر هو ذلك الذي يسكن الصدور. إن الشعور بالرضا، والامتنان للخالق على نعمة الاجتماع، هو جوهر العيد. فالحمد لله الذي جعل لنا أعياداً تُدخل السرور على نفوسنا، والحمد لله الذي وهبنا أحبة يشاركوننا هذه اللحظات، والحمد لله الذي جعل أيامنا مليئة بالخير والبركة.
ليستمر العيد في قلوبنا طوال العام، ولا نجعل فرحته تنتهي بانتهاء أيامه المعدودة. لنجعل من الابتسامة عادة، ومن العطاء منهجاً، ومن صلة الرحم أسلوب حياة. فالعيد الحقيقي هو الذي نصنعه نحن في كل يوم بكلمة طيبة، أو بفعل جميل، أو بقلب يتسع للجميع.
وختاماً، أسأل الله أن يديم علينا وعليكم هذه الأفراح، وأن يحفظ لنا آباءنا وأمهاتنا، وأن يجعل بيوتنا دائماً عامرة بالحب والسرور. فليشرق العيد في قلوبكم، وليملأ أيامكم بنور لا ينطفئ، ولتكن حياتكم كلها أعياداً وأفراحاً ومسرات.
كل عام وأنتم في فرح دائم، وكل عيد وأنتم بجمال الروح تزدادون تألقاً.
بقلم: علي محمد البكري (بأسلوب يحاكي فكره ووجدانه)

تعليقات
إرسال تعليق